Saturday, December 31, 2016
Friday, December 30, 2016
هل كان عبدالناصر مريضا نفسيا ؟؟ - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
هل كان عبدالناصر
مريضا نفسيا ؟؟ - صقر بن زايد بن
صقر آل نهيان
التاريخ 2016-12-30
التاريخ 2016-12-30
الشك ينتاب جميع
البشر الأسوياء كما ينتاب الأنبياء في لحظات، هكذا خلقنا الله. وقد ذكر المولى
بكتابه العزيز الحكيم قول كليم الله موسى: { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ
انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا
تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا
أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }
الآية (143) سورة الأعراف، والشك طريق من طرق التحقق والاكتشاف العلمي، ومسلك من
مسالك أهل الفطنة والفراسة، وعند جهينة الخبر اليقين!
بعد انقشاع الكثير من غبار عواصف الخريف العربي الذي أنهى عهد الجمهوريات العربية الاشتراكية العسكرية استرعى إنتباهي جزءا من خطاب للرئيس جمال عبدالناصر يشتم الملك حسين رحمهما الله بأقذع الكلمات وهو في أوج الإنشراح والإنتشاء لأعلى درجة لم أر لإنتشاءه قرينا بخطبه أو بخطب أي إنسان أخر ، لأن هذا الانتشاء مخالف تماما للفطرة الإنسانية السليمة التي تتقزز من ذكر فاحش القول فالعبس ملازم لذكر فحش الكلام، فمن لغة الجسد والأسارير تقرأ خبايا النفوس وأمراضها النفسية!!
وقد قال زهير بن أبي سلمى في هذا الحال:
ومهما تكن عند إمرء من خليقة :: وإن خالها تخفى على الناس تعلم
لا شك عندي بأن علماء النفس والمختصين منهم بقراءة لغة الجسد لهم قراءة أكثر صحة ودقة مما بدا لي واسترعى إنتباهي!!
بعد انقشاع الكثير من غبار عواصف الخريف العربي الذي أنهى عهد الجمهوريات العربية الاشتراكية العسكرية استرعى إنتباهي جزءا من خطاب للرئيس جمال عبدالناصر يشتم الملك حسين رحمهما الله بأقذع الكلمات وهو في أوج الإنشراح والإنتشاء لأعلى درجة لم أر لإنتشاءه قرينا بخطبه أو بخطب أي إنسان أخر ، لأن هذا الانتشاء مخالف تماما للفطرة الإنسانية السليمة التي تتقزز من ذكر فاحش القول فالعبس ملازم لذكر فحش الكلام، فمن لغة الجسد والأسارير تقرأ خبايا النفوس وأمراضها النفسية!!
وقد قال زهير بن أبي سلمى في هذا الحال:
ومهما تكن عند إمرء من خليقة :: وإن خالها تخفى على الناس تعلم
لا شك عندي بأن علماء النفس والمختصين منهم بقراءة لغة الجسد لهم قراءة أكثر صحة ودقة مما بدا لي واسترعى إنتباهي!!
Tuesday, December 27, 2016
ميدان التحرير 25 يناير الياسـمين والـفل - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
ميدان
التحرير 25 يناير الياسـمين والـفل
التاريخ:19 فبراير 2011
تسمرت
أنظار العرب والعالم على ميدان التحرير بأرض الكنانة عبر الفضائيات يتابعون بزوغ
ميلاد فجر جديد لم يحلم هذا الجيل من العرب ببزوغه في حياتهم. فجأة وإذا بالجيل
الجديد، جيل الإنترنت والفيس بوك يثبت أنه ليس بساه ولاه على مقاهي الإنترنت
وشاشاتها عن هموم مجتمعه، فإذا به في صلب الأمة وعصبها يعبر عن ضميرها قولا وفعلا
وبجزالة لم تتمكن الأجيال التي سبقت مجاراته، وعرفانا بذلك ما كان من جميع فئات
المجتمع المصري وجميع العرب إلا أن اصطفت معه تشد من أزره وتؤازره ويصبح فعله ثورة
للجميع. وفجأة أخرى، وإذا بنا نحس بأن أطراف جسدنا على امتداد الوطن العربي تسري
الدماء في أطراف شعيراته الدموية وكنا نحسب أنها قد ماتت فإذا هي ببعث جديد.
بميدان
التحرير بعث الشعب المصري بعثا جديدا خلال 18 يوما دون
وجود القادة الملهمين أو القادة الضرورة أو الحزب المخلص - كما تذكر بعض الأدبيات
الحزبية المتهافتة المتهالكة - بل كان ذلك قدوة بالشباب الغيور المسؤول من كل مشرب
ومذهب الذي ولد الإحساس بأن البلد بلد أفراد الشعب وهم مسؤولون عن أنفسهم وعنه وعن
نظافته ونظامه، وأنهم ليسوا غرباء في الوطن الذي حول عزبة لرجال السلطة وأنهم
ليسوا عالة تلك العزبة. فمن المستجدات المبهرة أنه على الرغم من انعدام الحراسات
والشرطة لم يحدث من الجموع المعتصمة تحرش أو اعتداء على فرد أو كنيس أو كنيسة أو
مسجد أو صدامات كما كان الحال سابقا بوجود الحراسات والشرطة والنظام.
كما أصبح
سائقو السيارات أكثر التزاماً بإشارات المرور وإن خلت الشوارع بعد منتصف الليل،
وكذلك تقلصت ظاهرة إلقاء أعقاب السجائر والمخلفات في الشوارع دون إرشادات وتوجيهات
القائد الملهم أو الحزب الضرورة فتجلت رواسب حضارات الأمة في خلاصات معدنها المحمي
في آتون المحنة للعالم، فهزمت تلك الجموع المغربة في وطنها السلطة، واستعادت
الجموع وطنها مرة أخرى بسلاح تجمهرها واعتصامها. وتغطية قناة الجزيرة كان عونا
مسطرا بالفخار وهي التي أعادت منذ ظهورها رسم خارطة الإعلام العربي وأعادت رسمها
مرة أخرى، رغم إلغاء تصريح عمل مكتبها في مصر، فلقد تجند رجال الإعلام والأفراد
المصريون الأحرار بمدها بما تحتاج من مواد سجل كثير منها بالهواتف النقالة محررة
من قيود ضوابط ترخيص مكتبها لتغطية أحداث ميدان التحرير إضافة للإنترنت والفيس بوك.
إن ما
حدث في ميدان التحرير حدث فاصل نوعي لما قبله ولما بعده فهو تعبير جماعي عميق
المعاني والدلالات الحضارية وتلخيص نابع من الوعي واللاوعي ينضح طزاجة لتراكمات
حضارات وادي النيل والمنطقة في شخصية ابن وادي النيل، ويذهب لأبعد مما خطر ببال
جميع من سبقوا من القادة والمصلحين على اختلاف مشاربهم، ويعبر بحداثة عما يختلج الآن
في ضمير الأمة انطلاقا من ثورة الياسمين بتونس الخضراء وتتويجا لها في أرض الكنانة
بثورة الفل. وما كان لهاتين الثورتين أن يكون لهما هذا البُعد الذي نراه الآن إلا
لوقوعهما كخلاصة لإرهاصات سياق تاريخي بعدما حدث ما حدث في منطقتنا في أفغانستان
وباكستان ومن ثم إيران ولبنان وفلسطين أطفال الحجارة والعراق وتركيا والسودان وما
أصاب منطقتنا بسبب أحداث برجي التجارة العالميين بنيويورك والأزمة المالية
العالمية.
فهنيئا
للبنان الذي دحر مواطنوه جيش إسرائيل الذي لا يقهر، من بيروت العاصمة وباقي
أجزائه، ولأطفال الحجارة بفلسطين، ولتونس الخضراء، وهنيئا لأرض الرافدين الصابرة
القابضة على الجمر، وهنيئا لأرض الكنانة ولنا جميعا بالنصر المؤزر. فمن بعد ثورة
الياسمين بتونس وثورة الفل بمصر لم يعد شبابنا ينظر من المحيط إلى الخليج للمثل
الإيراني مثلا يحتذى أو ينظر له بإعجاب، ولا يجب أن نستبعد أصداء ثورتي الياسمين
والفل في باقي العالم لتصحيح ما حاق ببعض الشعوب من محن فاقمتها الأزمة المالية
العالمية طاحنة شرائح كبيرة لحساب فئات قليلة غير مستحقة لا بالجهد ولا بالإبداع.
ثورتا
الياسمين والفل بداية طريق طويل وعمل دؤوب لا بد من استمراره للحفاظ على المكتسبات
بخلق الآليات الضامنة كي تسد الأبواب أمام أصحاب الصوت الواحد الذي «لا صوت سواه»
أو أصحاب «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» أو مدعي العصمة أو أصحاب الأبراج العاجية
مزكي النفس من أي لون أو جنس. والثورتان دعوتان لمراجعة نفوسنا وإصلاح أمورنا بما
يتفق مع حاجات مجتمعاتنا ومعطيات العصر كي لا تتعطل مصالح المواطن والوطن التي هي
جزء من مصلحة العالم وتحتقن النفوس لمدى لا يحل إلا بنهج مشابه بشكل ما لثورتي
الياسمين أو الفل اضطراراً.
فهذا عصر
التلفاز الفضائي وهواتف الفيديو المدمجة باليوتيوب والفيس بوك والديمقراطية،
والتقصير الفاضح فضيحة عالمية لا يمكن إخفاؤها عن هذه الوسائل ولا ينفع معها إغلاق
المكاتب وإلغاء التصاريح كما رأينا. والقيادات السياسية الحكيمة هي التي تبادر
بفتح أبواب ونوافذ التطور لتجديد هواء الأوطان وحجره المختلفة كلما أسن، منعا
للثورات والصدامات التي تدفع الأوطان أثمانها بالدولار، مضافا لها الفوائد النقدية
المركبة المترتبة عليها للحاق بركب التطور المجتمعي في جميع جوانبه لحاقا بالعصر
الحديث.
الشرق الأوسط ستون عاماً مضت - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
الشرق
الأوسط ستون عاماً مضت
التاريخ:12 مارس 2011
الشرق
الأوسط خلال ستين عاماً مضت «ثورات» و«تطور وارتقاء» وطلب للسلام.
لانعدام
وجود آليات «التطور والارتقاء» في جمهوريات الشرق الأوسط، لم تكن الانهيارات التي
شاهدنا ونشاهد ممثلة في تونس ومصر وليبيا وغيرها أمراً غير متوقع بالنسبة إلى
لمحللين للحدث السياسي في منطقتنا العربية، ولكن غير المتوقع هو الانهيار الجماعي
بهذا التوقيت.
خلال
الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، قام ضباط في بعض الجيوش العربية بانقلابات
عسكرية على نظم الحكم القائمة، وأعلنوا قيام جمهوريات في بلادهم بمشارب سياسية
متباينة، وقد نتج عن ذلك انقسام العالم العربي إلى معسكرين، يرفض كل منهما الآخر.
فقد وصف الجمهوريون أنفسهم بـ«التقدميين»، ووصفوا المعسكر المقابل بـ«الرجعيين»،
ولكن المعسكرين كليهما كانا يطالبان بالتغيير والتقدم بطرق مختلفة، فالجمهوريون
كانوا يطلبون ذلك من خلال «الثورة» والنظم التقليدية من خلال تمسكها بمنهج «التطور
الارتقاء» التي عهدت به بالرغم من الانتقادات المقذعة حينها من المعسكر المقابل
وبطء نتائجه وتقدمه.
بعد
الثماني سنين الأولى من قيام الجمهوريات، فقدت هذه النظم الكثير من زخمها، وانعكس
ذلك على أدائها تدريجياً سلباً على المواطن ونفعه، نتيجة عدم وجود آليات «التطور
والارتقاء» بها، فجمدت وتكلست الجمهوريات، وتحولت بمرور الأيام إلى دكتاتوريات
نتيجة بقاء الرؤساء رؤساء مدى الحياة، بل تطور ذلك مؤخرا، ليصبح وصفة شرق أوسطية
صرفة بأيلولتها لدكتاتوريات وراثية!
وقد كان
نهاية آخر مد للجمهوريات في معسكر نظم الحكم التقليدية دعم ثورة اليمن (1962-67)
من قبل جمهورية مصر، بعد قيام الجمهورية المصرية بخمس عشرة سنة، وقد انتهى ذلك الدعم
بالتسليم بحق القبائل في الاحتفاظ بسلاحها الخفيف والثقيل، بما فيها الدبابات، وبمضاء
أحكامها في مناطق نفوذها، ضمن الدولة اليمنية الجمهورية (القبلية)، وباستمرار حمل
أفرادها أسلحتهم الشخصية في الدولة، وتلك النهاية الفريدة عالمياً حملت معها قبول
تعايش المعسكرين عبر العالم العربي!
إن ما
نشاهد اليوم في عالمنا العربي ليس ثورات بالمعنى الذي حدث في حقبة الخمسينات
والستينات من القرن الذي مضى، وليس كما حدث في إيران قبل اثنتين وثلاثين سنة من
ثورة ضد الشاه، فهي الأخرى مبتسرة تفتقد أيضا لآلية «التطور والارتقاء»، ويتجلى
ذلك بوضوح من موقفها الرافض لمواقف المصلحين من رجالات النظام نفسه؛ أمثال محمد
خاتمي ومصطفى مير حسين موسوي ومهدي كروبي، ناهيكم عن من هم خارجه، إذ إن هذه
الانهيارات أو الثورات من دون قادة، سمها كيفما نظرت، لا فرق، ليس لها شعارات
قومية أو دينية للتصدير عابرة للحدود كما عهدنا، بل إن هذه الانهيارات «تطور
وارتقاء» لتلك الثورات التاريخية، لتستكمل جزءًا حيوياً ولدت مبتسرة من دونه، وهي
أساساً كما يشاهد العالم مراجعات مركزة على الذات وعلاجها من درن الفساد والتحنط
والجمود والقنوط سواء للفرد أو للدولة.
والمحلل
السياسي الفطن لا يستغرب رؤية مكابرة أصحاب الأحزاب والعقائد «التنويرية» أو
المشايعين للجمهوريات وعدم اعترافهم بفشلها بمقابل نظم الحكم التقليدية، كما لا
يستغرب أيضا تجاوزهم عن ملاحظة الحقيقة الأخرى الساطعة كالشمس؛ وهي أن التغطية
الإعلامية العنيدة والقوية المساندة للتغيير الذي يحدث تبث من الدول «التقليدية»
في عالمنا العربي، وتحديداً من قناتي «الجزيرة» القطرية التي تبث من قطر
و«العربية» السعودية التي تبث من الإمارات، وهو ما يجب أن يحسب لصالح الدول
«التقليدية» بتسهيل إعادة ولادة الجمهوريات من جديد لتستكمل جزئية مهمة
لاستمراريتها!
وبغض
النظر عن انجازات الماضي، كيفما كانت سلباً أم إيجاباً، فالواجب على المعسكرين،
سواء النظم التقليدية أو الجمهورية، المبادرة للاستجابة لمطالب الشباب العامة في
الشرق الأوسط، لعدالة الحكم في حدودها الدنيا على أقل تقدير والمتعارف عليها
عالميا، والعمل على تطوير عدالة الحكم كلما تطلب ذلك، فشباب هذا اليوم مطلع على
حقوقه بسرعة الانترنت والتلفازات الفضائية، فإيقاعها هو إيقاع التاريخ المعاصر،
ولذلك ليس بين يدينا إلا أقل القليل مما يمكن الأخذ به كسوابق تاريخية يمكن الركون
لها وأخذ العبرة منها إن وجدت.
إن آلية
«التطور والارتقاء» مطلوب إيجادها في النظم التي تفتقدها، وتحسينها ورفع كفاءتها
في النظم التي توجد فيها هذه الآلية في جميع بلاد الشرق الأوسط دون استثناء، بما
فيها إسرائيل «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» كما تدعي، فالتطور والارتقاء
يستدعيها وبإلحاح اليوم للخروج من فكرة الصهيونية المتكلسة التي عفا عليها الزمن،
وفقدت صلاحيتها، وأصبحت اليوم قيدا في رقبة إسرائيل في عالم التلفازات الفضائية
والإنترنت؛ لما تمثل من تمييز وجور على حقوق الفلسطينيين الذين لا يتحملون ما حاق
بحق اليهود من أوزار النازية وتناقضها مع أبسط مبادئ الديمقراطية في أي من دول
العالم، وذلك بالانعتاق من الصهيونية لما بعد الصهيونية، انفتاحاً على قيم
الإنسانية العالمية في يومنا هذا، ومواكبة لعالم الغد.
من خلال
هذا «التطور والارتقاء» الذي يجب أن يعم دون استثناء أفغانستان وباكستان وإيران
أيضاً، سيتأهل الشرق الأوسط لعصر سلام راسخ. هذا هو صوت الأغلبية الصامتة سابقا،
رافعة الصوت المجلجل في أركان العالم حاليا، الفاعلة غداً، كما يمكن قراءته من
خلال الأحداث، وهي قراءة لا تدعي العصمة من الخطأ بأي شكل من الأشكال، ولكنها
قراءة للأحداث بمنطق مجرد، يسمو عن ميل الهوى ذات اليمين أو اليسار أو المناطقية
الضيقة، وتفسير قابل للأخذ والطرح في أي من جوانبه المنطق والحيدة ذاتهما.
المجلس الوطني.. أزمة مرور - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
المجلس
الوطني.. أزمة مرور
التاريخ:21 مايو 2011
لقد كان
أداء المجلس الوطني الحالي مخيبا للآمال بدرجة لا سابق له من المجالس التي سبقت مما
أدى إلى عدم اكتراث المواطنين بعمله، ونتيجة لاستشعار رئاسة المجلس لذلك القصور
ركزت على نشاط المجلس الخارجي وكأن ذلك تعويض وعوض عن قصور أدائه المحلي الذي من
أجله أنشئ، ولكن هيهات أن يعوض ذلك الناس عن ما ينغص عليهم من مشاكل محلية يعانون
منها ولا يتصدى لها المجلس بالنقاش وتقديم التوصيات لحلها واستجواب الوزارات
الخدمية المقصرة بتلك الشؤون.
في
هذا المقام لا بد لنا من ذكر ملاحظتين هامتين ولو أنهما هامشيتين بالنسبة لأداء
المجلس في مجمله وهما: 1 - تفوق أداء الأعضاء المعينين على أداء الأعضاء
المنتخبين. 2 - تسبب الأعضاء المنتخبين في حالة إحباط لجمهور الناخبين بوعود
انتخابية لا يمكنهم الوفاء بها بأي حال من الأحوال من خلال عملهم بالمجلس الوطني
ولكنهم استعملوها وسيلة لعضوية المجلس.
نتيجة
لخيبة الأمل الكبيرة كتب الأستاذ عبد الغفار حسين « المجلس الوطني هل إليه حاجة؟» مقترحا
إلغاؤه وإقامة مجالس محلية! ورد عليه رئيس المجلس الوطني ردا لم يرق لما نأمل
ويليق بمكانة رئاسة المجلس .
ولذلك
كتبت مقالة في صحيفة البيان «الطريق إلى مجلس وطني فاعل» بعدها تراجع الأستاذ عبد
الغفار حسين عن فكرة المطالبة بإلغاء المجلس الوطني وكتب «المجلس الوطني الاتحادي
والمجلس المحلي صنوان» مستثنيا المنتسبين للعوائل الحاكمة من عضويتها انتقاصا من
حقوقهم الدستورية بأقل من سائر المواطنين لسبب لا أساس له من القانون أو الواقع
المعاش إلا من أمانيه الشخصية.
فكتبت
مفندا قصور طرحه في مقالتي «عبد الغفار حسين ومجالسه المحلية» إضافة للعديد من
الأسئلة عن مقترحه ولكن الأستاذ عبد الغفار حسين لم يجب على ما ورد بالمقالة من
أسئلة ولم يعتذر عن اقتراح انتقاصه من الحقوق المدنية لمنتسبي العوائل الحاكمة كما
يقتضي الحال أدبيا وقانونيا.
ونتيجة
لمدى الإحباط العام من تدني أداء المجلس الوطني ما كان من البعض إلا أن تصيد أداء
رئاسته ونشرها على البلاك بيري والتي عرفت لاحقا «بحملة البلاك بيري» في صحافتنا
المحلية وكذلك على الإنترنت وما تلاها من ذيول.
وعندما
تتابعت انهيارات النظم الجمهورية التي قامت خلال فترة الخمسينات والستينات من
القرن المنصرم بسبب تحجر نظمها وعدم تطويرها خلال الستين عاما المنصرمة، روج
المحازبون للنظم الجمهورية بأن ما يحدث هو ربيع الثورات العربية التي تعم الجميع
دون استثناء ولا تخص النظم الجامدة التي يجازبون ويتسترون بهذا القول على فشلها،
وقد وجد هذا الطرح قبولا لدى فئة من الإخوة الكرام في دولة الإمارات .
وفي غمرة
نشوتنا جميعا وأملنا في حرية إخوتنا في تونس ومصر وما يتبع بالخير إنشاء الله،
فكان رأيهم أن حل عدم كفاءة المجلس الوطني هو في الانتخابات المباشرة لأعضائه ومنح
المجلس كامل الصلاحيات الرقابية والتشريعية ودون العمل على إصلاحه ورفع كفاءة
أدائه، ودون استنفاذ الصلاحيات الممنوحة للمجلس والبناء على التجربة القائمة
تدريجيا وصولا لهدفنا المنشود من مجلس تشريعي رقابي، .
كما
فات الإخوة الكرام في عريضتهم التي قدموها لصاحب السمو رئيس الدولة وأعضاء المجلس
الأعلى، الإشارة إلى أي نظام برلماني يودون الاقتداء به والاسترشاد بأسس عمله،
فالنظم النيابية في العالم كثيرة متعددة بتعدد البلاد والثقافات، واستجلاب أي
مقترح معلب، منبت من بيئات لا تمت لعاداتنا وثقافتنا وتجربتنا أو من تصور خيالي
لمدينة فاضلة سوف لن يكتب له النجاح.
إلا
أن علاج قصور أداء المجلس الوطني سيرتقي بعمله ويزيد ثقة المواطنين به لإنجازاته
لا شك، أما إعطاء المجلس مزيدا من الصلاحيات مع عدم استغلال الصلاحيات التي لديه
كما هو حال المجلس الوطني الآن، سيفاقم حالته من عدم القدرة على استخدام الصلاحيات
الممنوحة له وفي حال استخدامها غير الرشيد، لعدم خبرته بالتبعات وما تؤول له
الأمور، سيدخل المجلس نفسه والدولة في دوامة من سوء استخدام الصلاحيات تنعكس سلبا
على جميع شؤون ومرافق الدولة، والشواهد حية وعديدة وليست بعيدة عنا وليست بخافية
على أبسط الناس.
والمجلس
الأعلى للاتحاد عبر المسيرة الاتحادية كان دائما سباقا ومشهودا له بمبادراته
السياسية الرائدة التي تجسدت كمثال على ذلك بتشجيعه مشاركة المرأة بأعلى النسب
خليجيا وعربيا في جميع سلطات الدولة ومستوياتها، وهو لاشك سيبادر برفع سقف صلاحيات
المجلس الوطني حالما يفعل ويستنفذ سقف الصلاحيات الممنوحة له قبل أي مطالبة.
وندوة
جريدة البيان عن المجلس الوطني التي نشرت وقائعها على حلقتين في الرابع والخامس من
مايو الجاري، كانت مثال النهج العلمي والعملي استجلاءا لمواطن القصور لسدها
واستشراف آفاق التطوير وتسليط الضوء على الإيجابيات، هذا إذا لم نستطع أن نأتي بما
هو أفضل مما أفضت به الندوة من نتائج وخلاصات جزئيا أو كليا.
إن
تدني أداء المجلس الوطني أزمة مرورية بامتياز، ليست في الشوارع ولكن في مرور
الآراء والأفكار وتداولها بيننا الذين نصف أنفسنا «بالفئة المتنورة» من حيث النقد
البناء طرحا وإيجابا.
فاستحداث
المترو لوحده لم يكن كافيا، بل توجب استحداث شبكة كفوءة من حافلات النقل العامة
لعمله، وكان ذلك غير كاف أيضا، فكانت الحاجة لأعداد كافية من المستخدمين لوسائل
النقل الجماعي المشترك بدلا من وسائل النقل الفردية.
فحرية
الرأي دون صحافة حرة لا قيمة لها، وصحافة حرة لا قيمة لها دون كتاب رأي يستنزفون
مساحة حرية الرأي؛ تعمر أعدادهم محاريب الصحافة ومؤمنين بتلاقح الأفكار، ولكنهم
عملة نادرة كما نرى، فيجب أن تتزايد أعدادهم فبهم يرتفع أداء المجلس وتفعل
صلاحياته غير المستخدمة وغير المفعلة، وهذا ما تعمل الدولة جاهدة عبر برامجها
بزيادة أعدادهم.
ولكن
بوضعنا الحالي معظم كتاب الرأي يفضلون وسائل النقل الخاصة، ويصر القليل منهم السير
في الاتجاه المعاكس، والبعض الآخر من ذوي الاختصاص والمستوى الأكاديمي تسندوا
إشارات تقاطع المرور دون مساهمة إيجابية لحل أزمة المرور وكأنهم خشب مسندة لأسباب
محيرة حقا وذلك لعدم مساهمتهم في أي حوار بناء بعقلنته لتطوير المجلس الوطني
الاتحادي.
قيم الأخلاق والميزان العسكري - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
قيم
الأخلاق والميزان العسكري
التاريخ:11 يونيو 2011
في بحثه
عن «العبودية قبل بعثة الرسول» يقول الدكتور راغب السرجاني: «ما فَتِئَت الحرب
تشتعل بين حين وآخر بين القبائل العربية بدافع العصبية والقَبَليَّة، ومما لا شَكّ
فيه أنّه كان لهذه الحروب المستمرَّة نتائج وَبِيلَة على الفريق المنهزم؛ .
وذلك لما
يترتّب على الهزيمة من سبي النساء والذريَّة والرجال إن قُدِر عليهم، وقد يتم
قتلهم، أو استرقاقهم وبيعهم عبيدًا، ولم يكن هناك ما يُسَمَّى بالمنِّ عليهم أو
إطلاق سراحهم دون مقابل، وكانت الحروب تمثل أَحَدَ الروافد الأساسيَّة لتجارة
العبيد التي كانت إحدى دعامات الاقتصاد في الجزيرة العربية، أمَّا الدولة
الرومانية فلم يكن العبيد فيها بأفضل حال لدرجة أن الفيلسوف أفلاطون نفسه صاحب
فكرة المدينة الفاضلة كان يرى أنه يجب ألا يُعطَى العبيدُ حقَّ المواطنة.
أما
الدولة الفارسية فكان المجتمع مقسمًا إلى سبع طبقات أدناهم عامة الشعب، وهم أكثر
من 90% من مجموع سكان فارس، ومنهم العمال والفلاحين والجنود والعبيد، وهؤلاء ليس
لهم حقوق بالمرة، لدرجة أنهم كانوا يربطون في المعارك بالسلاسل؛ كما فعلوا في
موقعة الأُبلَّة نسبة لبلدة على شاطئ دجلة البصرة، وهي أولى المواقع الإسلامية في
فارس بقيادة خالد بن الوليد»..
تلكم
كانت صورة المشهد العام والتي كان فيها الميزان العسكري متأرجحا بين دولتي الروم
والفرس وكانت جميع القبائل العربية على هامشه في بداية دعوة الإسلام وكان المسلمون
الأوائل هامشا عسكريا بالنسبة لقوة القبائل العربية، فكيف لهامش الهامش أن يسود
على القبائل العربية أولا.
ومن ثم
القوتين العظميين بنهاية زمن الخلافة الراشدة التي لم تزد على ثلاثين سنة؟ قلب
الموازين العسكرية في تلك المدة الزمنية القصيرة ليس له تفسير بمعايير ذلك الزمان
أو زماننا هذا بناء على عناصر موازين القوة العسكرية الصرفة أي حد السيف فقط .
وهذا
الحدث التاريخي يدحض بجلاء ما يردد في معظم الأدبيات الغربية وفي وسائل الإعلام
الغربية بأن الإسلام انتشر بحد السيف، والتفسير الوحيد الذي يصمد عقلا ومنطقا أمام
أي تحليل هو قيام الدعوة الإسلامية على قاعدة أخلاقية عالية اكتسحت ما كان سائدا
من قيم أخلاقية خاسرة لفسادها وجورها بين القبائل العربية ودولتي الرومان والفرس
فدخلت الأمم في دين الله أفواجا.
. فانتشار
الإسلام كان لما بيّنه رب العزة في كتابه العزيز: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.» وكما بين
المولى كذلك توازن العلاقة بين أصحاب المعتقدات دون تعدّ في صورة الكافرون: «لكم
دينكم ولي دين». .
لا شك أن
السيف الفاتح المدافع كان له دور حاسم لصيانة أمن الدولة كما هو حال جميع الدول
ولكنه كان هامشيا بالمقارنة، والانتصارات في الفتوحات الإسلامية كانت مصداقا لقوله
تعالى: «وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله».
لهذا كتب
للفتوحات الإسلامية البقاء وبقي المعتقد الإسلامي بعد انحسار السلطة الإسلامية عن
تلك المناطق، بينما فتوحات الاسكندر الأكبر انتهت بموته ولم تترك تلك الفتوحات
أثارا في المجتمعات التي فتح؛ ذلك أن فتوحاته كانت فتوحات حد السيف وكذلك كانت
فتوحات التتار. لما سبق يمكننا القول بأن مبدئي حقوق الإنسان واللا عنف قد أرستهما
الدعوة الإسلامية اسما .
وفعلا،
أما المهاتما غاندي الذي كان مطلعا على الإسلام وتاريخه، الذي ينسب له مبدأ اللا
عنف خطأ، لا ينكر فضله التاريخي في تحرير القارة شبه الهندية من سلطة بريطانيا
العظمي التي لا تغيب عنها الشمس، إلا أن إنجازه لم يكن قرينا بأي مستوى بما حققه
الإسلام فتحرير شبه القارة الهندية لم يقلب حينها موازين القوى العالمية، كما كان
التفوق العددي الكبير في شبه القارة الهندية في كفة دعوته.
أما ما
لبد سماء تاريخ الإسلام من انحطاط أقوال المتفاقهين دينيا الذين فتحوا دكاكينهم
لكل مذهب يبتغون به أثمانا قليلة، ومن هزمهم الإسلام على مر العصور أرادوا سلب روح
الإسلام لعدم قدرتهم على مواجهته حفاظا على مصالحهم فجلب الفريق الأول العثرات من
منابرهم والفريق الثاني الفتن بنفاقهم.
ومن
جحورهم وتنظيماتهم السرية. أما المؤدلجين سياسيا في عصرنا الحديث فقد استوردوا
مناهجهم المختلفة من الغرب التي لا تمت لتاريخنا وهويتنا كما هي دون دروس معمقة
للموائمة مع مجتمعاتنا فلم يلموا بمعطيات العصر ويستقوا من صافي المنبع محكومين في
كثير من الأحيان بأنانياتهم المادية أو الفكرية فكان نتاج ممارساتهم على مدى
الستين عاما الماضية ما وضعنا في مؤخرة الأمم وأفقدنا احترام العالم بسبب قصور
علمهم ونظرهم السياسي.
إن ما
يمر بعالمنا العربي من انهيارات الجمهوريات التي اعتمدت النظم البوليسية وجبروتها
أمام الصدور العارية وما تلا من إرهاصات ليس إلا ملمحا واحدا صغيرا من ذلك الدرس
التاريخي العظيم الذي شهده العالم ببزوغ الإسلام يعيد نفسه ويفتح صفحة جديدة إنشاء
الله تجب وتمحي الصفحات الإرهابية، التي ألصقت بالمسلمين زورا وبهتانا، بالعمل
الجاد والتطوير والارتقاء البناء المرتكز على الواقع استنادا إلى تاريخنا وتاريخ العالم
ومعطيات العصر الذي نعيش.
تحديات الأمم - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
تحديات
الأمم
التاريخ:22 فبراير 2012
تواجه
الأمم تحديات في تطلعاتها ـ التي قد تكون مشروعة ـ ولكنها تهزم عسكريا من قوى أكبر
منها، لذا لا يصبح رد العدوان عسكريا خيارا مطروحا، بل قد تكون الهزيمة مفتاحا
لمسلك جديد أكثر رشدا وسلامة وأمنا، يفضي لآفاق جد جديدة ولعالم جديد.
لقد هزمت
بريطانيا وفرنسا الصين في حروب الأفيون، الأولى 1839ـ1842 والثانية 1856ـ1860 وكان
من نتاجها استعمار بريطانيا لهونغ كونغ، ولم تنته حروب الأفيون إلا باتفاقية في
1911، وارتفع عدد المدمنين من مليونين سنة 1850 ليصل 120 مليونا سنة 1878، ولم يأت
الرد الصيني إلا من خلال الثورة الشيوعية ولتحقيق الكفاية سدا لجوع وعوز الجموع.
وما تلا بعد تحقق ذلك من تغيير وإصلاح للنظام الشيوعي، كان لتحفيز الأفراد للعمل
والإنتاج، بالتحول لرأسمالية مقننة منعتقة من إسار أسن الشيوعية وجمودها؛ فاسترجعت
خلال هذه المسيرة هونغ كونغ من بريطانيا، وأصبح لها كرسي دائم في مجلس الأمن،
وتملكت الصين من السندات الحكومية للولايات المتحدة الأميركية والأسهم في شركاتها
الكبرى، بما لا تستهين به الأخيرة وتحسب لذلك التملك حسابا كبيرا..
وكذلك
استعمرت بريطانيا شبه القارة الهندية، إلا أن العصيان المدني وحركة اللا عنف أجبرا
بريطانيا على الانسحاب من شبه القارة الهندية بعد تقسيمها، فسارت دولة الهند على
درب البحوث العلمية والتطوير الاجتماعي والاقتصادي، وهي اليوم ثاني أكبر اقتصاد في
النماء بعد الصين في العالم..
كما هزمت
اليابان بقنبلتين نوويتين شلتا تفكيرها، وكذلك هزمت ألمانيا بدمار شامل دك مدنها
الرئيسية جوا في الحرب العالمية الثانية، دكا قطع أوصالها وضعضع قواها، فوقعت
اليابان وألمانيا استسلامهما بشروط المنتصرين.
هذه
الهزائم غيرت فكر الشعوب ونظرتها للعالم ومسلكها، فسلكت مسلك تنمية مجتمعاتها
واقتصادها ردا لما حاق بهم من دمار مهول، ولإدراكها أن حلول المشاكل التي تواجه
الأفراد والمجتمعات، لا تجيب عنها التصرفات العسكرية المدمرة، بل التنمية المجتمعية
والاقتصادية التي هي حاجة جميع البشر والدول، دون استثناء لمنتصر أو مهزوم.
وقد رحبت
الدول المنتصرة بمسلك الدول المهزومة، سدا لحاجاتها الذاتية قبل غيرها، وبانفتاح
هذه الآفاق الجديدة أصبح للدول المهزومة في الماضي القريب، وزنها على الخارطة
الدولية وفي موازين القوى العالمية.
كما نرى،
بالإضافة لتلك الدول، دولا أخرى حققت حضورا دوليا لا يمكن إغفاله خلال الستين سنة
الماضية، منها النمور الآسيوية؛ تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية،
عبر تنمية مجتمعاتها واقتصادها.
ما تقدم
ليست معلومات خاصة الناس، وليست بخافية عن عموم الناس، فهي منتشرة عبر وسائل
الإعلام المختلفة، الفضائية وغيرها، أو عبر الشبكة العنكبوتية بوسائل التواصل
الاجتماعي..
لهذا
عندما ثارت شعوب الجمهوريات العربية العسكرية، ثارت لأن مخدرات وسائل إعلامها لم
تجد نفعا لتغطية قصور أداء الجمهوريات العسكرية المجتمعي والاقتصادي، مقارنة
بالدول الأقل حظا منها قبل ستين سنة، سواء في المحيط العربي أو العالمي. فوسائل
الإعلام الحديثة فاضحة فضّاحة لكل مستور، لذلك طالبت الشعوب بإسقاط النظم العسكرية
التصادمية، طالبة نظما ونهجا مدنيا أول ما يعنيها تنمية مجتمعاتها واقتصادها،
لأنها لم تجن في آخر المطاف من الجمهوريات العسكرية سوى الدمار الاقتصادي وتجريف
التنوع الثقافي والفني وتصحره، نتيجة عسكرة الدولة.
إن ما
حدث لم يكن إلا وليد ضحالة وتسطح معرفة العسكر بعلم الاقتصاد والاجتماع والتاريخ
والفكر والفن، وهي ليست متطلبات في المعارف العسكرية، ناهيك عن التفوق فيها، ولكن
علم الاقتصاد والاجتماع والتاريخ والفكر والفن، من أهم المتطلبات في كفاءة أداء
الدول ونمائها.
أما ما
نرى اليوم بعد سنة من سقوط بعض الأنظمة، من محاولة المتأسلمين سياسيا اختطاف
الحكم، فإنه إن تحقق فلن يقل فداحة عن نتيجة عسكرة الدول الجمهورية، بل سيكون أسوأ
كثيرا. فالدولة الدينية وحكوماتها الثيوقراطية وصكوك غفرانها، حاصرتها أوروبا بعد
حروب عديدة في 0.44 كيلومترا مربعا بعدد سكان 800 نسمة، هي دولة الفاتيكان وسط
روما. ولولا حروبها ضد هيمنة الكنيسة على الحياة الدنيا وزعمها إصدار صكوك الغفران
للحياة الآخرة، لما تمكنت أوروبا من التقدم والازدهار. وقد رأينا مؤخرا كيف أقصت
تركيا نظام حكمها العسكري، ودجنت أحزابها الإسلامية مدنيا، كي تؤهل نفسها لمعطيات
عصرنا ودعما لمطالبتها بالانضمام للاتحاد الأوروبي.
ولكن
للأسف، فإن أطروحات وشعارات المتأسلمين عندنا متخلفة، وتفتقر للفكر السياسي
المعاصر ومعطياته افتقارا شديدا، فمنهم من ينتظر خروج المهدي المنتظر من سردابه،
والفئة الأخرى تنتظر القائد الملهم أن يظهر بين ظهرانيهم بركة من الله، ويفخمون من
يشيرون لهم بالعلماء تفخيما وكأنهم حجة الزمان في الدين والدنيا، بينما علمهم دون
كبار الأعلام بما لا يقاس علما وتواضعا إنسانيا!
العالم
ابن خلدون (1332ـ1406) مؤسس علم الاجتماع في كتابه "المقدمة"، له أقوال
بشأن العمران والشعوب رائدة ونظرات ثاقبة، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي
(1889ـ1975)، له في "دراسة للتاريخ" دراسة أشمل وأعمق عن التحدي
والإجابة بالنسبة للأمم والشعوب.
لا شك
عندي بأن لشعوبنا العربية القدرة على التعلم من تاريخنا وتجارب الآخرين ومن أعلام
الفكر ورواده، يمنعنا من أن نستسلم للعسكر وفكره مرة أخرى، أو لأحلام المتأسلمين
وصكوك غفرانهم أو تكفيرهم، فمن شاء فليكفر ومن شاء فليؤمن، وحسابنا جميعا عند
الباري يوم الدين، والدين لا خوف عليه لقوله تعالى: }إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون {صدق الله العظيم.. فلا لزيد أو عمر وكالة
حصرية للدفاع عنه.
كتاب
الحياة والدين أوسع وأكثر تنوعاً، من أن تسطره نياشين عسكر أو عمائم رجال دين فقط.
الإعلام البديل - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
الإعلام
البديل
التاريخ:10 أكتوبر 2012
من خلال
الشبكة المعلوماتية (الانترنت) ولد الاعلام البديل بثلاث منصات، وهي تويتر وفيسبوك
ويوتيوب، وكل واحدة بخاصية وميزة ونقاط قوة تفتقدها الأخريات، وجميعها تكمل بعضها
بعضا بشكل لم يحدث عبر تاريخ وسائل الإعلام التقليدية. وبمولد الإعلام البديل
انكسر احتكار الإعلام، فأصبح لحد بعيد في يد مستخدمي الانترنت، وجعل كل مستخدم
مشروع مؤسسة إعلامية مستقلة ينميها حسب قدراته. ولم يكن للإعلام التقليدي من خيار
سوى اللحاق بركب الإعلام البديل واستيعابه أو مواجهة الإفلاس، فانهارت عروش
إعلامية بعواصم العالم الغربية كما لم يخطر على بال أحد.
هذا
الانعتاق فرح به كل حالم بالكتابة والتصوير الفوتوغرافي ومصوري الأفلام، فكانوا
أول المندفعين لاستخدام الإعلام البديل لاستعراض مواهبهم المتباينة بين المتعثرة
الكسيحة والمتوسطة والممتازة، وكم كان مفرحا أن نرى كتابا ومصورين جددا لم نسمع
بهم سابقا، يحملون الوعد بنضوج في قابل الأيام إن واصلوا مسيرتهم الإعلامية وطوروا
مواهبهم.
معوقات
بدايات الإعلام البديل
ولكون
الإعلام البديل ولد من رحم تقدم تقنية الديجيتال المتطورة الباهرة، فقد ولد في
بيئة خارج مشارف سلطة قانون الدول وسيادتها، لذا لم يكن له تشريع مكيف لطبيعته
الجديدة. ونتيجة لشيوع استخدام الأسماء المستعارة لمستخدميه وعدم إمكانية معرفة
هويات أصحابها، أصبح الإعلام البديل ساحة غاب مفتوحة لكل من هب ودب، بلا ضوابط ولا
قانون. ساحة الغاب هذه هيّبت الكثير من رواد الإعلام احتراما لأنفسهم ولمتلقيهم من
اقتحامه في بداياته، فجلسوا في منصات الفرجة متلقفين إبداع المبدعين وملتفتين عن
ما يعم الساحة من عدم نضج وبذاءات لا حصر لها.
بمرور
الأيام وتقدم التقنية أصبح بالإمكان معرفة أصحاب الحسابات الوهمية، وبالتزامن مع
هذا كيفت الدول قوانينها لتصل لأشباح الإعلام البديل، عقابيا إن ارتكبوا جنحا أو
جرائم تمس الأفراد أو المجتمعات. هذا ما فتح الباب لاحقا على اتساعه للجميع دون
استثناء، لاكتشاف إمكانات الإعلام البديل وآفاقه الرحبة في مهرجان يومي حاشد،
متجدد بكل المفاجآت التي لا تخطر على بال أكثر الناس سعة وخيالا!
التويتر
تـَوْتـَرَ،
يُتـَوْتِرُ، تـَوْتـَرَةً، ما يميزه قصر جمله أو تغريداته بحد أقصى 140 من
المسافات والحروف لكل تغريدة، ما يضطر مستخدميه للاختصار، ولكن في المقابل لا حدود
عليا لعدد متابعي التغريدات، لهذا فهو أسرع الوسائل الثلاث لنشر الأخبار، وهذه
ميزته الكبرى.
الإعلاميون
الجدد المستندون على التويتر شرعية لوجودهم إعلاميا، أصابهم الغرور وأصبحوا
يفاخرون بأعداد متابعيهم، وأصبح للمتابعين سوق بيع وشراء للمتابعين يعلمها الجميع.
وقد أنتج التويتر كتاب مقالات في الصحف أو المنشورات على شبكة المعلومات، قوام
مقالاتهم تغريداتهم المتصلة بموضوع ما، والتي يرصونها رصا ويخرجونها مقالات
"نسكافيه"، تخلو من أصول كتابة المقال الذي يتطلب مقدمة وموضوعا وخلاصة.
وقد تولد
لدى هؤلاء الكتاب الوهم بأنهم أصبحوا كتابا، فنراهم يخوضون في شؤون لا يكادون
يفكون خطا فيها، من شيوعية واشتراكية ليبرالية وعلمانية وصوفية وسلفية، وكل ما لا
يعلمون؛ مفتين بأنها شر مستطير لا تستحق من المؤمنين بالله إلا اللعن والمحاذرة،
دون وعي بأن جميعها نتاج فكر حضاري له ظروفه التي أفرزته ضمن سياق التاريخ
الإنساني، ويجب على الكتاب والمثقفين الإلمام بأطراف علومها! وضعف تكوينهم الثقافي
هذا يتبين أكثر من عدم تمييزهم بين المفاهيم والأفكار وبين الأشخاص المرددين لتلك
المفاهيم والأفكار، وكذلك بالنسبة للدين وللمعتقدين به، فيحيلون الخلاف الفكري
لخلاف شخصي ونفي للآخر من الوطن والمواطنة والمعتقد، على الرغم من أن الدين بكل
تلاوين فهمنا له لله، وأن الوطن لجميع مواطنيه، والخلاف مهما كان هو خلاف فهم
وإدراك. رحم الله أبا الطيب المتنبي طيب الله ثراه:
وكم من
عـائب قولا صحيحا وآفتــه فـي الفهم الســـقيم
ولكــن تأخـذ الأفهام منــه على قـدر المعـارف
والعلــوم
الفيسبوك
فـَسْبَكَ،
يُفـَسْبِكُ، فَسْبَكَةً وهو من أفضل منصات الحوار والنقاش، لمساحات الكتابة التي
يتيح وتصل 5000 مسافة وحرف، وهو ما يصل لمساحة مقالة رأي في الصحافة المطبوعة،
وطبيعته تتيح معرفة مجرى الحوار بين المتحاورين من بدايته لنهايته، كما يمكن وضع
الصور والأفلام مع سقف تواصل مع 5000 صديق.
ومن
خلاله تبين لنا بعض من كانوا يدّعون ويدعون للحوار السياسي، أنهم لا يطيقونه إلا
إذا كان صدى لأقوالهم! كما تبين من خلال الفيسبوك عجم الشعر الحداثي من خلال
حوارات الطرشان التي تدار حوله، ورأينا خروج دهاقنة الشعر
"الحُـدَاثِـيْ" بتبريرهم إعجامه بالصوفية، لأن معانيه لا تتجلى
لأمثالنا الفقراء لنفحات الفتح، والصوفية من كله براء!!
اليوتيوب
يَوْتَبَ،
يُوَيْتِبٌ، يَوْتـَبَةً، أما اليوتيوب فقد جمع المجد من أطرافه؛ مجد التويتر
والفيسبوك، مع حرية التواصل مع الجميع دون سقف عدد، إضافة للصوت والصورة، فامتلأ
بكثير من الأفلام التعليمية والتاريخية والحديثة والخطب والمقابلات، مع كثير من
الأعلام التي لا يمكن الحصول عليها من أي مكتبة من المكتبات بنفس السهولة واليسر
لكل من له خط إنترنت! ومن خلاله استبان الناس على كثير من تجار الخزعبلات
ومروجيها، فكان له أعظم الأثر في التوعية.
لا شك أن
الإعلام التقليدي له دور جديد يجب أن يتلمسه كمرشد وقدوة بكلاسيكيته، للمنفلت مما
يعتور الإعلام البديل من حيث متطلبات أصول وأسس التعبير، متجاوزا ما سبق لإداراته
من حال قولبة وتخشب وسقم بعض من جوانبه، ولا شك عندي أن الإعلام البديل به نسمات
هواء بها الكثير من الإنعاش للإعلام التقليدي، وبتزاوج إيجابيات الإعلاميين لا شك
من بزوغ فجر إعلام جديد ذي فاعلية ومصداقية أكبر. وعلى الرغم من سهولة منصات
الإعلام البديل الثلاث، فإنه يمثل تحديا لجميع الإعلاميين الجدد، حيث لم نر بعد
الذي يستطيع إثبات قدمه بكفاءة على منصاته الثلاث، فمتى نرى أولهم؟
إن ما
أودى بحكم العسكر غياب الفكر السياسي بعيد المدى، وما أودى بانحسار شعبية
المتأسلمين السريع المريع جهلهم وانعدام رؤيتهم لمتطلبات الحكم في العصر الحديث،
فكانت بتونس التظاهرات ضد حكم حزب النهضة والمتأسلمين وما تلاه من انشقاقات لحزب
النهضة الاخونجي، أما في مصر التي أحدث الاخونجية بها أول صدع انشقاق لشعبها فقد
آلت الأوضاع فيها لأول عصيان مدني ضد حكم المرشد.
فبقدر
وعينا لمفردة المتأسلمين ودلالتها الصحيحة ضمن لغتنا وسياق تاريخنا وتاريخ العالم
نستطيع أن نرى الضوء في نهاية النفق ونرى براعم الربيع تبزغ في خريفنا العربي ليعم
بنجلاديش والباكستان وأفغانستان ومالي وإيران وإسرائيل أيضا!
من ليس
له ماض ليس له حاضر!
المتأسلمون والخلافة الراشدة الثانية - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
المتأسلمون
والخلافة الراشدة الثانية
التاريخ:24 فبراير 2013
المتأسلمون
كلمة مستجدة دخلت قاموس مفرداتنا مع الخريف العربي. سبكت الكلمة نتيجة حالة وعي
وإدراك لما استجد ويحدث على الساحة السياسية ببروز الاسلام السياسي وتوظيفه الدين
خدمة لأهدافه السياسية.
وسبك
الكلمة من الايجابيات التي ولدت من رحم أحداث ميادين التحرير التي أسقطت
دكتاتوريات الجمهوريات العسكرية الاشتراكية التي تكلست في الشرق الأوسط ستون عاما
مضت، وإيجابية كلمة متأسلم أنها تحمل استهجان إنزال قدسية الدين ومبادئه ومثله
السامية وقيمه العالية ومعزته في نفوس عامة الناس قبل خاصتها لمزالق السياسة
وبخاصة للجوانب الدنيئة من السياسة في بعض الاحيان إن لم نقل أكثرها!
إن نظرية
الفصل بين الدين والدولة وممارستها ليست أوروبية كما يزعم ويردد المتأسلمون على
مسامعنا صباح مساء نتيجة جهلهم قراءة التاريخ الاسلامي بلغة عصرنا الحاضر.
فالحقيقة
التاريخية أن أكبر دولتين إسلاميتين هما الدولة الأموية والدولة العباسية أقيمتا
على الفصل بين الدين والدولة واللتان اتسعتا لكل المذاهب والملل والنحل وما خرج من
أو عن جادة الاسلام أو غيره من الديانات! فقد كانتا الدولتان ملكيتين وراثيتين وإن
تسمّتا بالخلافة؛ وحيث كان أئمة الدين يمارسون همهم السامي والخالد بالتفقه في
الدين والدعوة له فكان الأئمة الأربعة: الإمام أبو حنيفة النعمان (80هـ/699م -
150هـ/767م) والإمام مالك بن أنس (93هـ/715م - 179هـ/796م) والإمام محمد بن إدريس
الشافعي (150هـ/766م - 204هـ/820م والإمام أحمد بن حنبل (164هـ/780م ـ 241هـ/855م)
رضي الله عنهم الذين لم ينازعوا السلاطين سلطانهم علما منهم باستقلال دور الفقيه
عن دور السلطان فكان عمران تلك الدول ورفعة شأنها.
أما من
يدعون اليوم بأنهم بصدد إقامة الخلافة الراشدة الثانية فهذا من شطط الخيال وضرب من
المستحيل؛ فالخلافة الراشدة تحققت لظرف تاريخي لن يتكرر وذلك بحضرة النبي، عليه
الصلاة والسلام، والشعلة الايمانية الفريدة لصحابته الذين ذكروا في القرآن الكريم:
"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ"
(التوبة:100)، ولقلة الشعوب والأعراق بالخلافة الراشدة مقارنة بما تلاها نتيجة
انتشار الاسلام في مختلف أصقاع المعمورة وتباين العادات والتقاليد واللغات بها
واختلاف اقتصاداتها وبيئاتها.
والادعاء
بإقامة خلافة راشدة ثانية، كما يزعم الإخونجية، ليست إلا هرطقة لا يقول بها سياسي
ذو نظرة واقعية سياسية اقتصادية أو أي عاقل حصيف، فقد ذهب الإخونجية مذهب الخوميني
باقتدائهم به كما صرح بذلك القيادي الإخونجي كمال هلباوي حينها في مؤتمر عام وعلى
رؤوس الأشهاد في طهران جالسا ليسار المرشد العام الإيراني على خامنائي ممثلا
للجماعة الإخونجية.
فمن
الممارسة الإسلامية لفصل الدين عن الدولة استلهم الغرب ممارسته التي نرى اليوم،
وسميت بالدولة المدنية الحديثة ملكية أم جمهورية؛ إذ إن أوروبا حاربت الدولة
الدينية وحاصرت سلطانها وقـَـصَرته بدولة الفاتيكان بوسط روما على مساحة 0.44 كم
مربع وبعدد سكان يقارب 800 نسمة، ولم تتبلور صيغة الفاتيكان النهائية كما نرى
اليوم إلا بمنتصف القرن المنصرم.
أما في
شرقنا العربي الحديث فقد كان الرئيس الحبيب بورقيبة رائدا في مناداته وعمله لإقامة
الدولة المدنية العربية الحديثة بصيغة جمهورية، وهو صاحب مذهب الواقعية السياسية
بخصوصية كل شعب عربي والذي نادى بسياسة خذ وطالب بالنسبة للحق الفلسطيني، فناصبته
دكتاتوريات الجمهوريات الاشتراكية العسكرية العداء برؤيتها أن ما أخذ بقوة السلاح
لا يسترد إلا بقوة السلاح ووصمته بالخيانة والعمالة للغرب.
وكما
رأينا فقد تبنى عرفات حل المفاوضات وسياسة خذ وطالب، وتبنى شباب ميادين التحرير
"لا لحكم العسكر"، والمطالبة بإقامة الدولة المدنية الحديثة بعد زوال
حكم العساكر.
فالحبيب
بورقيبة هذه الأيام غائب حاضر بحق وحقيقة كما هو حال جمال عبد الناصر، وتأريخا
للمرحلة التاريخية المهمة التي انقضت بعالمنا العربي يجب أن يقام لهما نصب تذكاري
يضمهما جالسين معا يقرآن كتابا من التاريخ، حيث لا مجال للوقوف، بنسختين واحدة في
قاهرة المعز والأخرى في العاصمة تونس!
سنتان
مضتا على انهيارات دكتاتوريات الجمهوريات العسكرية وثورات ميادين التحرير، إلا أن
المتأسلمين اختطفوا السلطة من شباب ميادين التحرير ومن جميع الاحزاب والرموز
الوطنية والليبرالية والعلمانية لتشتتهم وعدم طرحهم برنامج عمل وخطة اقتصادية
سياسية اجتماعية جامعة، بينما المتأسلمون غطوا قصورهم بالالتحاف بالدين وجمعا
لأصوات الناخبين!
كل يوم
يمر تكتشف الشعوب العربية واقعها السياسي ومدى تصحر الفكر السياسي الذي أصاب
المجتمعات التي حكمتها الدكتاتوريات العسكرية مقارنة بالحياة السياسية التي سبقت
الجمهوريات العسكرية فأصبحت ميادين التحرير اليوم بشبابها ميادين تنوير فكر سياسي
ليس للجماهير فقط بل للأحزاب والنخب السياسية أيضا!
شتاؤنا والأمل في الربيع العربي - صقر بن زايد بن صقر آل نهيان
شتاؤنا
والأمل في الربيع العربي
التاريخ:18 مارس 2014
بعد سقوط
الجمهوريات العسكرية بالخريف العربي منذ ثلاث سنين، حل علينا الشتاء العربي الذي
نعاني منه ونتمنى أن يزول قريباً ولا يطول.
ومنذ
مقالي الذي كتبته بتاريخ 12 مارس 2011 «الشرق
الأوسط ستون عاماً مضت» إلى اليوم، جرت مياه كثيرة
تحت الجسر، وخلال هذا الشتاء ثبتت صحة بعض مما ذكرت، وتغيرت مواقف بعض ممن ذكرت أو
بانت حقيقتهم خلاف ما كانوا يدعون، وبانت صفات وصفقات المتأسلمين المتاجرين
بشعارات التدين، فأصبحت اليوم معلومة للقاصي والداني. متابعة لما كتبت بما وجب
واستحق بعين العبرة من القرن الذي مضى، ونظرة للمستقبل آملاً أن يكون مقالي هذا
شمعة علها تنير قليلاً واقع شتائنا الذي نعيش، لننظر لمستقبلنا الذي نأمل، متجنبين
المزالق التي وقعنا فيها، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
قرن من
الزمان مضى وعالمنا العربي متعلق بالأمل والحلم بمستقبل مجتمعات متنورة واقتصاديات
متطورة، منذ بداية عصر النهضة العربية الحديثة، وكان للآمال والأحلام في النصف
الأول من القرن المنصرم شخصيات أحداث كبيرة، رفدت تلك الآمال والأحلام بإبداعاتها
وعطائها نظرياً وعملياً على أرض الواقع، والصور الفوتوغرافية لمدن عواصم التنور
العربي وللحياة فيها بالأفلام والتسجلات الغنائية والميزان التجاري حين ذاك خير
دليل، وقد استمرت بقاياه إلى الستينات، وتلاشت تدريجياً نهاية السبعينات تقريباً،
واليوم نحِنّ لتنوع تراث وثراء النصف الأول من القرن المنصرم، إلى انحسار آثاره
غذاء لروحنا، ونشير له بالزمن الجميل!
في
الثمانينات والتسعينات بدأ العرب يستفيقون على حقائق أمامهم تتوالى تباعاً، بأن كل
تلك الآمال والأحلام التي عمرت نفوسهم قد تحولت تدريجياً سراباً يبعد عنهم قدر ما
يسعون إليه، لعموم الفن الهابط والعمارة الهابطة في أرجاء عواصم التنور العربي،
وهو حصاد ما زرع بداية منتصف القرن، فما نتج لم يهبط من السماء قضاءً وقدراً!
فما الذي
قلب الآمال والأحلام لسراب وأوهام؟ سؤال مستحق الإجابة عليه بموضوعية هذه الأيام،
وبإلحاح أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن هذا الشتاء مخاض ولادة لما بعد انهيارات
الأنظمة السابقة، فلماذا قامت تلك الأنظمة ولماذا انهارت في توقيت واحد بعد ستين
سنة تقريباً؟
بعيداً
عن التلاسن والمهاترات السياسية التي لم تسمن ولم ترو ظامئاً لإجابة مقنعة للعقل
العربي بين مختلف المتحازبين، فإن النظم الملكية قامت عليها الانقلابات الجمهورية
بسبب الطفرة الاقتصادية والنماء الذي حققته، وتمكنت فئات قليلة من الاستفادة منها
بينما الأغلبية لم يكن لها نصيب، ولم تتمكن الحكومات الملكية من علاج تلك الفوارق
والمشاكل الناجمة في حينها، فكانت الانقلابات.
أما
انهيار الجمهوريات فقد كان بسبب فشل قطاعات الدولة الاقتصادية العامة، التي أقيمت
بمصادرة الأملاك الخاصة وتكبدها خسائر باهظة لم ينفعها تزيين ميزانياتها بأرباح لا
وجود لها، فعم الفقر على الجميع إلا من رحم ربي!
خلاصة ما
أنتجت تلك الجمهوريات، هي التصحر على جميع المستويات، والانكفاء في السياسة
والاقتصاد والآداب والفنون، على الرغم من كل المعارك الحقيقية والمختلقة، وما أضيف
لها من بهارات الدعاية والإعلام وسعة خيال الداعمين لأركان تلك الجمهوريات. ولهذا
لم توجد قيادات سياسية للجماهير التي أطاحت بالجمهوريات العسكرية، ولا توجد برامج
أو أطروحات سياسية اقتصادية اجتماعية مستقبلية، بديلة لما كان قائماً.
والبديل
الوحيد الذي قدم بشتائنا العربي، كان برنامج نهضة الإخونج بطائر
نهضتهم بجناحيه وذيله، كما قال رئيسهم مرسي العياط في مصر، والذي قيل عنه إنه
خلاصة جاهزة ومعدة بعد دراسات مستفيضة لخمس وعشرين دولة نجحت خططها الاقتصادية
التنموية، ثم قيل بعدم وجوده فكان أفضل برنامج تهريج وكوميديا!
والأسوأ
أن المتأسلمين الإخونج ومن معهم، بعد أن أزاحهم الشعب من السلطة، لجؤوا للإرهاب
والعنف احتجاجاً على إزاحتهم، فكان تصنيف منظماتهم ومنظمات من معهم منظمات إرهابية
وحظر عملهم، لما شكلوه من أخطار على البلاد التي نشطوا فيها تخريباً مدمراً لأمن
البلاد واقتصادها. وما حل بالسودان على مدى ثلاثين سنة من فتن وإفقار، وكذلك تفتيت
وانقسام السلطة الفلسطينية بانفصال غزة، جزء من الدرس لا يجب نسيانه.
التحدي
الذي نواجهه في شتائنا العربي ذو شقين: 1) اقتلاع الأوهام، سواء كانت قومية أم
دينية، من الإعلام والنظم التعليمية والحياة السياسية، والتعاطي مع القومية
والتدين بواقعية سياسية ودينية. 2) وتنزيه الدين عن الزج بمُثــُلِه وقيمه السامية
العليا في السياسة، بما لها وما قد يكون عليها من شبهات دنيوية، وعدم تبرير كل
أخطائنا وقصورنا بتعليقها على مشجب نظرية المؤامرة، بل بمواجهة التحديات الخارجية
والداخلية، وبمعالجة الفشل الاقتصادي من جذوره بعلم الاقتصاد والسياسة، أو
بالسياسة والاقتصاد، وصولاً للنتيجة المرجوة، دون أي ترويج بالوعود الكاذبة
والأوهام للبسطاء وللجهلة منا.
معركة
البناء هذه صعبة وليست قصيرة، ولن تقل عن خمس سنوات لترسية قواعد الانطلاق لمسار
التصحيح، وتحتاج تضامن وصبر الجميع للخروج من عنق زجاجة الفشل الاقتصادي أولاً،
ومن ثم ما حاق بنا على باقي الصعد، للخروج من فصل هذا الشتاء القارس، لنطل بعدها
إن شاء الله على الربيع وأزاهيره بدول مدنية حديثة تسع جميع مواطنيها.
Subscribe to:
Comments (Atom)